خريطة الموقع الجمعة 10 سبتمبر 2010م


المقالات
خواطر لأهل القرآن
من هم أهل القرآن؟

الشيخ / مبارك بن حسن البريكي

الحمد لله ذي الفضل والإحسان , أنزل كتابه فحفظه من الزيادة والنقصان , ويسَّر حفظه حتى استظهره صغار الولدان , وأصلي وأسلم على نبينا محمدٍ سيد كل إنسان , أما بعد:
فإن القرآن العظيم هو كلام الله ــ سبحانه وتعالى ــ , وهو كتاب الله المبين , وحبله المتين , وصراطه المستقيم , وتنزيل رب العالمين , نزل به الروح الأمين , على قلب سيد المرسلين , بلسان عربي مبين , منزل غير مخلوق , منه بدأ وإليه يعود , وهو سور محكمات , وآيات بينات , وحروف وكلمات , من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات , له أول وآخر , وأجزاء وأبعاض , متلو بالألسنة , محفوظ في الصدور , مسموع بالآذان , مكتوب في المصاحف , فيه محكمٌ ومتشابه , وناسخ ومنسوخ , وخاصٌ وعام , وأمرٌ ونهي [ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد ].
وأهل القرآن ــ بداهةً ــ هم حفظةُ كتابِ الله المتقنون , وعلماؤُهُ المفسرون , وشيوخُهُ المعلمون , وقُرَّاؤه المتخصصون , وباحثوه المدققون , وأئمتُهُ المتصدرون , ودارسُوْه المجتهدون , أصحابُ القراءاتِ والإقراءِ المبرِّزُوْن , ومجودوه المشهورون ...
نعم .. لا ريب أنَّ هؤلاءِ كلَّهم جميعًا هُمْ خاصَّةُ أهلِ القرآن , وفي الطليعة من المسيرة الإيمانية المنيرة , وفي المقدمة من الركب الرباني المبارك , وهذا موضع اتفاق , وكلمة إجماع.
ولكن لو أننا اكتفينا بهذا المعيار حصرًا وقصرًا : فإن أهل القرآن في الأمة إذاً لقليل!! إننا نَعُدُّ كُلَّ من يلتزمُ بشرائع الإسلام , ويحافظ على حدوده , ويتخلق بأخلاقه من أهل القرآن ؛ ولو مجازًا.
ولعلَّ قُرَّءنا المكرمين يوافقوننا أن من أهل القرآن أيضًا : أصحاب العقيدة الإيمانية السليمة , والفطرة الإنسانية القويمة ؛ الذين يؤمنون بالله , وما جاء من عند الله ؛ على وفق مراد الله , ولو كانوا من عوامِّ المسلمين في معارف القرآن الزاخرة و كنوز علومه الباهرة.
وربما لا نجد أحدًا يبدي اعتراضًا جوهريًا على أن من أهل القرآن : أصحاب السمو الأخلاقي ؛ باطنًا بالإخلاص والورع , وظاهرًا بالاستقامة والعفاف , ولو كانوا من غير المشتغلين بدقائق علوم القرآن.
وكذلك لا يشكُّ أحدٌ أن المحافظين على فرائض الله تعالى , الحريصين على أداء حقوق ربهم سرًا وعلانية , وعلى اجتناب المحرمات , وتوقي الشبهات : هم من أهل القرآن , ولو كانوا لا يستظهرون من القرآن إلا قصار السور الكريمة.
وما بالنا بأولئك العلماء الربَّانين ؛ الذين يكتشفون ـــ من خلال علومهم التقنية والتطبيقية والتجريبية والاستقرائية ــ أن قدرة الله تعالى لا يحدها حدٌ , ولا يمكن أن يصل إلى كنهها عقلٌ بشريٌ ؛ فيزدادون لله تعالى خشيةً وإنابةً وعليه توكلاً , وينشرون هذا الفكر الرشيد في دنيا الناس ؛ مستدلين بآيات الكتاب المسطور على آيات الكون المنظور ؛ فيكونون سببًا في زيادة اليقين الإيماني وتحسين الأداء السلوكي لدى طائفة كبرى من البشر , كيف لا نعدُّ هؤلاء من أهل القرآن؟!
ومن أهل القرآن ــ من وجهة نظرنا ــ كل راعٍ استرعاه الله على رعية , فنصح لهم , وسهر على إصلاح أمورهم , وبذل جهده في جلب الخير لهم , واستفرغ وسعه في إبعاد الشر عنهم , وقدَّم مصلحتهم العامة على مصلحته الخاصة , وحافظ على مقدراتهم التي خوَّله الله على حفظها , ولم يَدَّخِرْ طاقةً في التخطيط لمستقبلٍ أفضل لهم.
ومن أهل القرآن : القضاة المقسطون ؛ الذين يوقنون أن العدل أساس الملك , وأن الظلم مُؤْذِنٌ بزوال العمران , وتنزل سخط الجبار , وارتفاع الخير والبركات , من فوق الأرض ومن تحت السماوات.
ومن أهل القرآن : المجاهدون في سبيل الله بأنفسهم ؛ أولئك الساهرون على حماية ثغور بلادنا وحدودها , والقائمون على شؤون أمننا وصيانة أماننا , أولئك الذين لا تغفل أعينهم إذ ننام نحن ملء عيوننا .
ومن أهل القرآن : أصحاب الصناعات والحِرف ؛ الذين يحرصون على إتقان صناعاتهم وحرفهم , ويتجنبون الغش والتدليس في الخامات أو التركيبات , ويستحضرون مراقبة الله لهم في السر والعلانية , ويتشرفون بقول النبي صلى الله عليه وسلم : [ ما أكل آدميٌّ طعامًا قط خيرًا من أن يأل من عمل يده , وإن نبي الله دواد عليه السلام كان يأكل من عمل يده ].
ومن أهل القرآن : المجاهدون في سبيل الله تعالى بأموالهم ؛ بزكواتٍ واجبة , وتبرعاتٍ نافلة , وصدقاتٍ جارية , وأوقافٍ معلومة ؛ إغناءً للفقير , وإعفافًا للمسكين , وسترًا لأهل المروءات , وإغاثةً لأصحاب الكربات , ورعايةً لأهل العلم , وإنقاذًا للغارمين , ونشرًا للبر , وتعميمًا للإحسان , وكفالةً للأيتام , وحبًا في العطاء , وإيثارًا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ؛ شكرًا منهم للغني الحميد والوهاب المتفضل سبحانه جل ثناؤه , ولو لم يصلوا في تلاوة كتاب الله تعالى إلى درجة المهرة من المتخصصين المتفرغين.
ومن أهل القرآن : القائمون على تربية الأجيال ؛ من الوالدين , والمعلمين , والوعَّاظ المرشدين , والأساتذة المتخصصين , الدعاة المستبصرين , ما داموا يستمدون مادة تربيتهم وإرشادهم من النبع الرباني الذي لا ينفذ ؛ كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن أهل القرآن : طلاب العلم في كل تخصص ومجال , وفي كل مراحل الدراسة ؛ ما فتئوا مخلصين في الجد التعليمي والتحصيل الدراسي ؛ مستبصرين بقول الله تعالى [ إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء إنَّ الله عزيزٌ غفورٌ ] , وقوله جل ثناؤه [ وقل ربِّ زدني علمًا ] وقوله عز وجل [ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجاتٍ والله بما تعملون خبيرٌ ] , وما أصبحوا مستشعرين حقًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : [ من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا للجنة ] وقوله صلى الله عليه وسلم أيضًا : [ إنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع ] وقوله صلوات ربي وتسليماته عليه : [ من خرج في طريقه يلتمس علمًا فهو في سبيل الله حتى يرجع ] فكيف لا نعد طلاب العلم الذين هم على هذه الشاكلة من أهل القرآن؟ بلى , إنهم لمن أهل القرآن.
ومن أهل القرآن : أصحاب الأقلام النظيفة ؛ الذين يحافظون على أمانة الكلمة , ويراعون حرمات الناس ويجأرون بكلمة الحق , وينصرون أصحاب الحقوق , ويقفون في وجه الاستبداد وأصحابه , ويترصَّدون الجَوْر وأربابه , مجتهدين في استجلاء الحقائق , وكشف الزيف , وتعرية الفساد ؛ مبتغين بذلك وجه الله تعالى , ثم مصلحة الوطن , وإنصاف البشر .
أولئك جميعًا ــ وغيرهم كثيرٌ كثيرٌ ــ هم من أهل القرآن حقيقةً أو مجازًا , ولو قلَّ في حفظ القرآن حظُّهم , ولو ثَقُلَتْ به ألسنتُهم , ولو ضَؤُل فهمهم لبلاغته , واستيعابهم لجلائل أحكامه ووجوه إعجازِ بيانِهِ , ولو لم يجدوا من الأوقات ما تعاهدون به نصوصه المقدسة , ما داموا محافظين على حدوده , ومحصلين لفروض العين القرآنية مما لا يسع مسلمًا جهله ؛ لتَصحَّ صلاته , وتستقيم عباداتُه.
إن هذه الصحيفة المباركة [ أهل القرآن ] مِلكٌ لجميع هؤلاء , وموجَّهَةٌ إليهم كلهم ؛ من غير فوق من حيث المبدأ , وإنما ترتفع الدرجات بأصحابها حسب اجتهادهم في طلب العلم النافع , ومواظبتهم على العمل الصالح ؛ ما داموا لله مخلصين , وعلى نهج النبوة سائرين.



كتبه
الشيخ / مبارك بن حسن البريكي
عضو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشرورة

نشر بتاريخ 17-08-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 9.01/10 (74 صوت)


 

سجـل الـزوار
للتواصل المباشر
إحصائيات رتب
Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.qksh.org.sa - All rights reserved