خريطة الموقع الثلاثاء 7 سبتمبر 2010م


المقالات
ملتقى الكتّاب
الوِصايةُ على الأتْباع

الشيخ / مبروك بن عبدالله الصيعري

لو أردت وضع تعريفٍ لمقالتي لقلت : الوصاية : هي عبارة عن سلطة ومرجعية أحادية تتنكر لمفاهيم الاختلاف والتباين والنقد والمواجهة والتصحيح ، بل لا مكان لطرح الأسئلة أو إبداء الشك والريبة ..

وكلما ظهر من الأتباع شيء من الامتعاض والاستنكار أو الرفض لأي تصرف كان فذلك مرفوض في دنيا الأوصياء ، لأنه يكشف زيف ثقافتهم التي تدعو إلى طأطأة الرأس وتسطيح العقل وإلغاء التفكير وقتل روح التجديد لدى الأتباع .

إنها بعبارة يسيرة : خلْق شعور لدى الإنسان بأنه قاصر وعاجز ودون سنِّ الرشد ومحتاج إلى صكِّ ولاية و وصاية ورعاية لإدارة شؤونه وملاحظة تصرفاته .

ولو تأملنا الدعوة إلى الله التي هي دعوة الأنبياء والمرسلين لوجدنا أنها رحمة للبشر أجمعين لا تستثني أحداً ، بل تشفق عليهم وتسعى إلى جذبهم إلى الطريق المستقيم ، وتصبر عليهم وتصابرهم و تعطيهم فرصة للرجوع والتوبة بل تفرح برجوعهم وتوبتهم وعودتهم وأوبتهم وإذا بَدَر منهم نوعٌ من الرجوع والأوبة والعودة ، بَنَت لهم جسور وساعدتهم .. وهكذا كثيرٌ من الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم عادوا لأن يكونوا مؤمنين ، وأن يُقتلوا بين يديه عليه الصلاة والسلام مقبلين غير مدبرين ..

ولقد أضحى الدين عند مجموعة من الأخيار وللأسف ملكيةٌ خاصة يُدخِل فيها من يريد ويقصي عنها من يريد ، وليت الأمر توقف عند هذا الحد بل تعداه إلى أن يكون الداخل سمَّاعاً مطيعاً منقاداً لأوامر شيخه ومربيه الذي أعطى لنفسه كامل الصلاحية لأن يكون وصياً ورقيباً عليه .

وهنا أريد أن أسأل .. هل مثل هذه التربية سوف تخرج لنا عقلاً مفكراً أم عقلاً مؤجرا ؟

إني على يقين أن أمثال هؤلاء الشباب سوف يكونون نسخ كربونية لذلك الشيخ أو المربي على ما فيه من الأخطاء ، بل قد يتطور الأمر ليصبح ذلك المتربي إمَّعة إن أحسن الشيخ أحسن وإن أساء الشيخ أساء .

وأرجو أن لا يفهم من هذه الأسطر التي أكتبها أنها دعوة للتمرد على من سبقوك في الفضل والدين والدعوة ، ولكنها دعوةٌ لعدم التأجير أو الإفراغ الفوري للشقِّ العلوي من جسدك .

فمثلاً لو أن إنساناً رجع إلى الحق ، وهذا وقع فعلاً ، أحد الشيوخ أخذ عليه مواضع أخطأ فيها في جوانب من المعتقد وأقوال متنوعة ، وفي إحدى المرات كتب كتاباً وطبعه على طريقة السلف الصالح ، فالذي عنده إنصافٌ في قلبه يفرح ، لكن قام بعض طلبة العلم قالوا : ما يكفي ولا يصلح هذا الكلام ، وهذا الكلام تدليس وتلبيس على البشر ، لماذا ؟

قالوا : لماذا يطبع كتابه القديم ، ولماذا لا يصعد المنابر ويقول كنت وكنت ، هل تريد من الإنسان أن يُذلَّ نفسه ؟ هل تريد أن تضع مطبات وعقبات مؤصدة أمام الناس ؟ أم المقصود أن تفرح حتى بالخبر الجزئي والرجوع الجزئي ..

يعني لو أن إنساناً كان ماركسياً شيوعياً ثم تحول إلى مسلم مفرط ، أو مسلم عنده بعض الآثار المنحرفة والأقوال البعيدة ، مثل ما وقع لكثير مثل : رجاء جارودي المفكر الفرنسي ، وغيره من المفكرين العرب ثم دخل في الإسلام ، ولكن دخولٌ فيه شوب .. هنا يفترض أن نفرح بهذا ونسعى إلى مزيدٍ من الخير والفضل ولا تعتبر كأن الإسلام ملكية نحاول أن نبعد الناس عنها ..

إن الدين جاء لهداية الناس ولإصلاحهم ، ومن العقل والحكمة أن يحرص الداعية أن يكون هاديا ، وأن تكون الهداية عنده مقدمة على النكاية ، ويفرح ببادرة الخير ، حتى ولو كانت جزئية ، فالإسلام قضيةٌ صحيحة وعادلة لكن المحامي عنها محامٍ ضعيف ..




كتبه :
الشيخ / مبروك بن عبدالله الصيعري
كاتب عدل محافظة شرورة

نشر بتاريخ 10-08-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 5.85/10 (64 صوت)


 

سجـل الـزوار
للتواصل المباشر
إحصائيات رتب
Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.qksh.org.sa - All rights reserved