في
الخميس 1 جمادى الأول 1439 / 18 يناير 2018

جديد المقالات


03-27-1434 02:02

هداية مسجد الضرار

الخطبة الأولى :
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أيها المؤمنون:
النفاق ديانة جوفاء، قائمةٌ على الكذب والخداع والجبن والطمع، اتخذت من إظهار الإسلام سربال أمان، تمتنع به من عداء أهله، وتجعله غطاء لحراكها العفن في إلحاق الخبال بالمسلمين بطرقها الخفية ومكرها الكبَّار؛ فكانت كالسوس النخر الخبء في أصول الشجر. ومن هنا بات هذا الداء أعظم ما يواجه الأمة خطراً وفتكاً على مدى الأزمان، كما قال الله - تعالى -: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [المنافقون: 4]. ولم يزل القرآن يُعمِل فيهم سياط الفضح ببيان صفاتهم وكشف أساليبهم الملتوية في ضرب الدين وأهله؛ ليُعرفوا بالفعال ولحن الخطاب؛ فلا يُشتبه أمرهم ولا يخفى مكرهم ولا يستشري شرهم؛ فكان لذلك النصيبُ الأكبرُ في بيان القرآن سبيلَ المجرمين. هذا، وإن أوفر سورة جلّت خِلالَ هؤلاء القوم سورة التوبة المسماةُ الفاضحة، يقول ابن عباس - رضي الله عنهما -: " تِلْكَ الْفَاضِحَةُ؛ مَا زَالَ يَنْزِلُ: { وَمِنْهُمْ } { وَمِنْهُمْ }؛ حَتَّى خِفْنَا أَلَّا تَدَعَ أَحَداً "، وَقَالَ الْحَسَنُ: " كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ هَذِهِ السُّورَةَ: " الْحَفَّارَةَ "؛ لِأَنَّهَا حَفَرَتْ مَا فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ، فَأَظْهَرَتْهُ ".

معشر المسلمين:
ومما فضحته سورة التوبة من أساليب المنافقين التي ما برحت تُستهلك لترويج باطلهم أسلوبُ إقامةِ الشعارات الإسلامية لاتخاذِها بطانة لأغراض الفساد والإفساد. وذلك منْ أعظم خصالِ النفاقِ العمليِّ: أن يعملَ الإنسانُ عملاً، ويُظهِرُ قصدَه الخيرَ به، وإنَّما عملهُ؛ ليتوصَّل به إلى غرضِ له سيِّئ قد أبطنه؛ فيتمَّ له ذلك، ويتوصَّلَ بهذه الخديعة إلى غرضِهِ، ويفرحَ بمكره وخِداعِهِوحَمدِ النَّاسِ له على ما أظهرَهُ. والحادي لانتهاج ذلك المسلك الخبيث أنفةُ النفوس من قبول الباطل الصراح، ورواجُه عند كثيرٍ إن أُلبس اللباس الشرعي زوراً وبهتاناً. وذا مكمن الخطر وقطب رحاه. وقد عالج القرآن بمنهجه المعصوم تلكم القضيةَ المفصليةَ التي لا يزال أهل النفاق يمتطونها على مرِّ العصور علاجاً ناجعاً يجتث جذور الشر ويسقط قناع الخداع، وذلك من خلال خبر مسجد الضرار الذي عناه الله - سبحانه بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَارًا وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 107-110 ].

فقد كان أناس من المنافقين من أهل قباء قد ابتنوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء، يريدون به المضارة والكفر وتفريق صف المؤمنين، ويعدونه لمن يرجونه من المحاربين لله ورسوله؛ ليكون لهم حصناً عند الاحتياج إليه، فلما فرغوا منه دعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة فيه؛ فأنزل الله - سبحانه - هذه الآيات فاضحة حقيقةً ذلك المسجد ومرشدةً لأسلوب التعامل معه. فظاهر الحال المؤكَّدِ بأيمان الكَذَبَةِ: مسجدٌ لإقامة ذكر الله، وليس بعد المسجد شعار شرعي! وحقيقته: كفران دين الله بالإضرار وتفريق الصف وإعانة الأعداء. وإنّ أقبح ما يكتنف التعاملَ تلوّنُ الحال والتحدثُ بلسانين والإقبالُ بوجهين ولبسُ الحق بالباطل، وذاك منهج المنافقين، يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ » رواه البخاري ومسلم.

أيها المسلمون:
كان طريق القرآن في مواجهة هذا الأسلوب النفاقي القذر غايةً في الوضوح والحزم والقوة؛ فقد هَتك ستارَ المنافقين بإيضاح قصد بناء الضرار الذي أحدثوه؛ والمتمثل بمضارة المؤمنين من خلال تفريق جماعتهم وممالأة عداتهم. وكان ذلك طليعةَ العلاج، والحقيقةَ التي انبثق منها منهجُ التعامل؛ فلا مجال لإحسان الظن، واستخدام اللغة الرمادية في فضح خطط المنافقين المفسِدةِ التي أظهروا حقيقتها بفعالهم ولحون كلمهم. يقول الله - تعالى -: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ [محمد: 30]، قال أهل العلم: قَول الْإِنْسَان وَفعله دَلِيل على نِيَّته، والفعل أصدق القول.
وَلَحَنْتِ لَحْنًا فِيهِ غِشٌّ وَرَابَنِي
صُدُودُكِ تُرْضِينَ الْوُشَاةَ الْأَعَادِيَا

فالشعارات لا تغير الحقائق وإن رُوِّجت بالألقاب الشرعية، والقول لا يغلب الفعل: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 11-12]. وتَرْكُ شهود مشاريع ضرار المنافقين - بعد فضح أمرها - من أقوى ما يُردعون به، ويُرتاب به بناؤهم: ﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ﴾ [التوبة: 108]؛ إذ لربما أضفى حضورُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصلاتُه لشعار الغدر حقيقةً يُفتن بها الناسُ، ويروج بها الباطل. كما أن الواجب عند القدرة والتمكين إزالةُ بناء الضرار وإراحةُ الوجود منه بعدما انجلت حقيقته وتميّزَ أهله، وذاك ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حسماً لمادة الفتنة، وإخماداً لجذوتها، ودكّاً لمعاقلها. وسيكون ذلك البناءُ عند إزالته سريعَ التداعي والسقوط ذاهبَ الأثر كما ينهار الرمل بوكزة القبضة؛ لتأسيسه على أرض النفاق الهشةِ المفضيةِ بصاحبها لقعر الجحيم، ولن يبقى لذلك البناء المهدوم بقية إلا ريبةً قابعةً في قلب من بناه حين تشرّب زعاف النفاق فكُمِدَ فؤادُه بغيظه وحزنه؛ فلا تزال تلك الريبة دنساً في قلبه حتى ينقطع بالموت جزاء ظلمه. والله لا يهدي القوم الظالمين.



الخطبة الثانية :
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد، فاعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله...

أيها المؤمنون:
أسلوب مسجد الضرار ما يزال يُسلك في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين؛ تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام وباطنه لسحق الإسلام، أو تشويهه، وتمييعه! وتتخذ في صورة حرية الرأي والإبداع الفكري وإن أدى إلى سب الرب - جل وعلا - والأنبياء المصطفين والهزء بالدين وحملته! وتتخذ في صورة إظهار الرحمة وعدم تشويه صورة الإسلام بتعطيل حد رجم الزاني المحصن وقتل المرتد! وتتخذ في صورة الدفاع عن المرأة والمطالبة بحقوقها والسعي في إغنائها والقصد من وراء ذلك تغيير هوية المجتمع بانفلات وضع المرأة فيه ومعارضتها للقيود الشرعية! وتتخذ في صورة المخالفة البينة المعنونِ عليها شعارُ بـ " الضوابط الشرعية "! وتتخذ في صورة إضفاء اسم إحدى أمهات المؤمنين على مؤتمر تغريبي مشبوه! وتتخذ في صورة تجديد الدين وإعادة قراءة النص بغية التحريف! وتتخذ في صورة الاجتهاد من غير أهله وإن خالف الإجماع أو كان أخذاً بالقول الشاذ واتباعاً مطرداً للرخص؛ مما يظن به اتباع الهوى. في صور لا تتناهى، جماعها: ظاهر حقٍ أريد به باطل؛ مما يحتِّم كشفَها، وإنزالَ اللافتات الخادعة عنها، وبيانَ حقيقتها للناس وما تخفيه وراءها. ولنا أسوة في كشف مسجد الضرار على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بذلك البيان القوي الصريح.
اللهم...

المصدر : شبكة الألوكة



خدمات المحتوى


الشيخ الدكتور / محمد بن عبدالله السحيم
الشيخ الدكتور / محمد بن عبدالله السحيم

تقييم
7.75/10 (3 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.