خريطة الموقع الثلاثاء 7 سبتمبر 2010م


المقالات
ملتقى الكتّاب
الفوضوية وأثرها على الفرد والمجتمع

 للأستاذ/محمد الكثيري

الفوضوية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ...
فإن المسلم العاقل يدرك بما أعطاه الله من عقل ، وما أودع فيه من الفطرة أن الله تعالى لم يخلق الحياة عبثا ، ولم يوجد الإنسان هملا ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) ، وأن الله بنى الكون كله على نظام دقيق محكم ، لا مكان فيه للفوضى والاضطراب ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى ) .
والمسلم الذي يدرك هذه الحقائق لابد أن يجعل لكل وقت من حياته هدفا ، ولكل عمل غاية ، وأن يجعل حياته كلها على هذا الأساس ، فلا وقت لديه قابل للضياع ، ولا جزء من حياته باق في دائرة الفراغ ، وهذه سمة المسلم الجاد في حياته ، المنظم لها ، المدرك لهدفه وغايته .
أما الإنسان الفوضوي الذي لا يحسن في أموره كلها ، ويضيع واجباته ويفرط في كل شيء ، ويهدر طاقاته وعمره ، فلابد أن تضطرب حياته ، ويخفق في تحقيق أهدافه ، ويصاب بالإحباط واليأس والتوتر والقلق ، حين يرى الآخرين من حوله قد قطعوا شوطا بعيدا في الحياة ، وهو ما زال يراوح في مكانه .
أيها الأخوة ... إن ظاهرة الفوضوية ظاهرة منتشرة في حياتنا ، الفوضوية تعني اختلاط الأمور ببعضها ، والنظر إليها أنها بدرجة واحدة من حيث الأهمية والفائدة ، فيختلط الحق بالباطل ، والمهم بالتافه ، والجد بالهزل ، وتعني أيضا العبث وإهدار الحياة والطاقات ، وبعثرة الجهود .
الفوضوي هو الشخص الذي لا هدف له محدد ، ولا عمل له متقن ، أعماله ارتجالية ، يبدأ في هذا العمل ثم يتركه ، ويشرع في هذا الأمر ولا يتمه ، ويسير هذا الطريق ثم يتحول عنه وهكذا .
أيها الأخوة ... للفوضوية في حياتنا مظاهر عديدة :
1- فمنها الفوضوية في القيام بالعبادات ، فتجد الفوضوي يؤخر الصلوات عن أوقاتها ، ولا يؤديها جماعة في المسجد ، ويؤديها ببرود وكسل ، لا خشوع فيها ولا سكينة ، ينقرها كنقر الغراب ، فالصلاة عنده مجرد عادة يومية ، مع أن الصلاة هي النظام الدقيق في حياة المسلم
( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ).
2- ومنها الفوضوية في التعامل مع الوقت ، فالفوضوي يضيع الساعات الطوال في عمل غير مفيد ، ويعطي الأعمال السهلة فوق ما تستحق من الجهد والوقت ، وتتزاحم عليه الأعمال في الوقت الواحد ، يقتل الأوقات في أمور تافهة لا قيمة لها ، كما أن ساعات يومه وليله تمضي بلا تخطيط ولا تنظيم ، وإنما يغلب عليها الارتجالية ، فتضيع الأوقات وتمضي الأعمار بلا فائدة ، والعبد كما جاء في الحديث : مسئول عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه .
3-ومنها الفوضوية في العلاقات الاجتماعية : فالفوضوي لا يحسن اختيار أصدقائه ، ولا يجيد انتقاءهم ، فتراه يصاحب الصالح والفاسد ، والحسن والسيء ، ويوسع دائرة الصداقة ، فهمه تكثير الأصدقاء ، فتكثر الزيارات وتكثر المخالطة ليلا ونهارا ، فيترتب على ذلك ضياع الأوقات والأعمار .
4- ومنها الفوضوية في فضول الكلام : فالفوضوي يتكلم كثيرا ، يتكلم فيما لا يعنيه ، ويتدخل في شؤؤن الآخرين ، ويسهب في المكالمات الهاتفية والاكترونية بلا حاجة ، فيضيع وقته بلا فائدة ، ويسرف في تبذير أمواله ، تكلم كثيرا فخسر كثيرا ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أولا يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم " .
أيها الأخوة ... للفوضوية في حياتنا أسباب كثيرة :
1- فمنها : التهاون في استغلال الوقت ، وتضييعه في التوافه من الأمور المباحة ، بل وتضييعه أحيانا كثيرة في المعاصي ، دون التفكر في أن الإنسان مسئول عن وقته يوم القيامة ، كما صح عند الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزول قدما عبد يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس : عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيه أنفقه ، وماذا عمل فيما علم ".
2- ومنها عدم التفريق بين الأهم وما دونه في الأهمية : فبعض الناس يشتغل في الكماليات والمباحات ، ويستنفذ وقته فيها ، ويهدر ويفرط في الضروريات والواجبات ، فهو كمن بذل جهده ووقته في اختيار ألوان منزله ، وقصر تقصيرا كبيرا في قواعد وأعمدة ذلك المنزل ! يصلي الليل وينام عن صلاة الفجر ! يبني المساجد ويحفر الآبار ولا يخرج زكاة أمواله ، فعل المستحب وترك الواجب !
3- ومنها عدم وضوح الهدف : فما ظنكم بشخص يسير بلا هدف ، خطواته غير مدروسه ، وتحركاته غير معلومة الهدف ، وأعماله عبارة عن ردود أفعال ، يعمل مثل ما يعمل الناس ، فهو لا يعرف لماذا يسير ، ولا كيف يسير ، وإلى أين يسير .
4- ومنها تنفيذ الأعمال بصورة ارتجالية ، وعدم التخطيط لها قبل إنجازها بوقت كاف ، وهذا من أهم أسباب الفوضى في حياتنا ، إذ بالتخطيط يحدد الإنسان أهدافه ، ويحدد وسائله لتحقيق تلك الأهداف ، وكيفية استغلال الوسائل ، ومكان كل شيء من العمل .
5- ومنها وجود الإنسان في وسط فوضوي : فقد ينشأ الإنسان في أسرة فوضوية ، لا تراعي للوقت حرمة ، ولا تعطي للنظام والترتيب أدنى رعاية أو أهمية ، فتكون النتيجة تأثر الإنسان بهذا الوسط ، فتصبح الفوضى لازمة له من لوازم حياته .
6- ومن أعظم أسباب الفوضى وأعظمها الوقوع في الذنوب والمعاصي ، فإن الإنسان إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي والذنوب ضاع عليه عمره كله ، وذهبت حياته باطلا ، وجاء يوم القيامة بالخسارة والحرمان ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) .
أيها الأخوة للفوضوية آثار مهلكة وعواقب خطيرة :
1- فمنها ضياع العمر بلا فائدة ، فلا يفيد الفوضوي نفسه ، ولا يفيد أهله وأسرته ، ولا يفيد مجتمعه وأمته ، فتذهب حياته سدى .
2- ومنها التشتت الذهني والقلق والاضطراب النفسي ، فالفوضوي ليس عنده القدرة على اتخاذ قرار صحيح لحل المشكلات التي تواجهه فيعجز ، ويصاب بالقلق والاضطراب اللذان يؤثران فيه نفسيا ومعنويا .
3- ومنها الفشل والضياع : فالفوضوي واقف في محله ، أو يتحرك حركة بطيئة ، لا تفيد ، فلا يمكن أن يحقق نجاحا أو يحدث له تطور ورقي .
4- ومنها فقدان الحكمة في التعامل مع الأمور : إن عدم تحديد الأهداف ورسمها بدقة وعدم التنظيم يؤدي إلى آنية التفكير ، وموسمية العمل ، وهذه هي الفوضوية بعينها ، وهذا ينشأ عادة من النظرة السطحية للأمور ،
والوقوف عند ظواهر الأحداث دون النظر في أسبابها وآثارها ونتائجها ، وبالتالي يتخذ الفوضوي قرارات لا تتفق مع طبيعة الحدث ولا تناسبه ، وهذا خلاف الحكمة التي هي وضع الأمور في موضعها الصحيح ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) .
أيها الأخوة ... لابد من علاج ظاهرة الفوضوية في حياتنا ، ويكون ذلك بأمور:
1- منها دعاء الله سبحانه والاستعانة به ، والضراعة إليه أن يخلصنا من هذه الصفة المذمومة ، وأن يمن علينا بالتوفيق والسداد ، وأن يوفقنا لشغل أوقاتنا بالمفيد النافع ، فإن الدعاء سلاح المؤمن ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ).
2- ومنها اليقين بأننا مسئولون عن أوقاتنا غدا عند لقاء ربنا سبحانه ، وأنها رأس مالنا الحقيقي ، وأننا سنسأل يوم القيامة عن أعمارنا وشبابنا ووقتنا ، فضياع الحياة خسارة ما بعدها خسارة ( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ) .
3- ومنها تنظيم الوقت ومحاسبة النفس ، فكل ما هو حولك يسير وفق نظام محدد ، فإذا نظم الإنسان وقته وحاسب نفسه على ذلك ، بورك له في وقته ، وزاد نشاطه وعمله ، وأصبح النظام سجية له وعادة .
4- ومنها التخلص من صحبة الفوضويين ، والحرص على صحبة الصالحين المستغلين لأوقاتهم فيما يرضي ربهم سبحانه ، فالمرء – كما جاء في الحديث - على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل .
5- ومنها إدراك العواقب المترتبة على الفوضوية ، فالعاقل يعتبر بغيره ممن تخبط وأهدر عمره ، وخرج من فشل إلى فشل ، ومن إخفاق إلى إخفاق ، فرؤية العواقب تحث العاقل على تنظيم حياته واستغلال كل لحظة من لحظات عمره فيما هو نافع ومفيد .
6- ومنها الحرص على المشورة وعدم الانفراد بالرأي ، فالاستشارة قوة للذي استشار تمنعه من الزلل ، وتهديه إلى الصواب ، وتدله على النافع المفيد ، وتسلك به إلى طريق النجاح ، وقديما قالوا : ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار ، ومن أعجب برأيه لم يشاور ، ومن استبد برأيه كان عن الصواب بعيدا .
أيها الأخوة ... هذه بعض سبل العلاج لظاهرة الفوضوية ، نسأل الله تعالى أن يرزقنا التوفيق والسداد في الأمور كلها ، وأن يعيننا على تنظيم أوقاتنا فيما يرضيه ، وأن يوفقنا لقضاء أوقاتنا فيما ينفعنا في ديننا ودنيانا ، وأن يجعلنا عالمين عاملين لمجتمعنا وأمتنا فيما يحبه الله ويرضاه .

منقول بتصرف في 1431/3/17هـ

نشر بتاريخ 03-03-2010  


أضف تقييمك

التقييم: 9.51/10 (36 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

[ابو سعيد] [ 24/03/2010 الساعة 11:59 مساءً]
جزاك الله خيرا

 

سجـل الـزوار
للتواصل المباشر
إحصائيات رتب
Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.qksh.org.sa - All rights reserved