في
الأحد 9 ذو القعدة 1439 / 22 يوليو 2018

جديد المقالات


10-18-1433 02:39

خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1433هـ
الحمد لله مولي الآلاء ، ومسدي النعماء ، جزيل العطاء ، عظيم الثناء ، تفرد بالبقاء ، وارتدى الكبرياء ، وقضى على خلقه بالفناء ، وأشهد ألا إله إلا الله رب الأرض والسماء ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرة الأنبياء ، وإمام الحنفاء ، قام بالشكر لربه حتى تفطرت قدماه بالدماء ، ولزم مقام الخشية فلم تجف عينه بالبكاء ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الأوفياء .
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ،الله أكبر الله أكبر ولله الحمد ، الله أكبر ما بزغت شمس بشروق ، الله أكبر ما لمعت بالأفق بروق ، الله أكبر ما هملت بالدمع جفون ، الله أكبر ما سهرت للدين عيون ، الله أكبر ما حسنت بالمولى ظنون ، الله أكبر ما صدح بالآي لسان ، الله أكبر ما سكن بالذكر جنان ،الله أكبر ما ظمئت كبد بصيام ، الله أكبر ما شرفت قدم بقيام ، الله أكبر ما دعا عبد ورجا ، الله أكبر ما جاد محسن وعلا ، الله أكبر ما أجل أفضاله ، الله أكبر ما أحكم أفعاله ، الله أكبر ما أكثر نواله ، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ،الله أكبر الله أكبر ولله الحمد .
أيها المؤمنون !
ليهنكم تمامُ موسم الخير وعيدُه السعيد بعد أن تنافس المشمرون في ابتغاء الحظوة عند ربهم أيُّهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ؛ فلكلٍّ كدحُه الذي سيلاقيه أوفى ما يكون عند من يوفيه حسابه ، { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه } ؛ فطوبى لمن كان حظه من رمضان القبول والغفران ! ويا بؤس من باء بالبعد والحرمان !
أمة الإسلام !
إن أشد المراحل التي تنتاب الأمة وأحلك ساعاتها ظلمة زمنُ أزمة تسلط الأعداء ، وذاك ما تعيشه أمتنا الوقت الراهن ؛ إذ تقاطعت في أوطانها الممزقة مصالح الأعداء في مشاريع توسعية ؛ استئثاراً بمقدرات الدول الإسلامية وانفراداً بخيراتها وإبقاءً لها لتعيش في هامش لا يتجاوز مدى المصالح الفردية والاحتراب من أجلها ؛ فترضى بالأدنى عن الأعلى ، والتافه عن الجلل . ومعارَضة تلك الرؤية العدوانية المأفونة لإرادة الله سبحانه التمكينَ لهذه الأمة تجعلُ لذلك التسلط أمداً وحدَّاً ، يقول تعالى : { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين } وقوله : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض } ؛ فالله يريد الصدارة لأمة الإسلام والتمكين في الأرض . ومن هنا وجب التبصر بمقاصد إدالة الله أعداءه على أوليائه ، وإدراكُ أسرار هذا الابتلاء ؛ فليس ذاك ضرباً من الشر المحض ، كلا ، { لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم } ، { ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض } .
معشر المؤمنين !
إن ثمت مقصدين عظمين وراء هذا الابتلاء ؛ ليكون ممرَّ التصفية لمجد التحلية ، والطريقَ لاستعادة الأمة عرشَها المفقود وعزَّها المنشود : أولى هذين المقصدين : التمحيص وتنقية الصف المؤمن من الشوائب ، يقول الله تعالى : { الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) } وما بالله- حاشا لله- أن يعذب المؤمنين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة ، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة. فيتساقط بالابتلاء الأدعياء ومن اتخذ الإسلام سربالاً لأطماعه . وفي وقت الشدائد يُظهر العدو ضراوة إحنه ، ويَظهر النفاق ويبرز أهله بأجلى صورة ؛ فيبين الولي من الدّعيِّ والموالي من المعادي . وفي وقت الشدة -حين ينفى الخبث- يتراص الصف المؤمن ويحدب بعضه على بعض . ومن رحم الأزمات يولد رواد الإصلاح وقادة الفتح وفي مخاضها العسر يصقلون . وكل ذلك أثر لنقاء الصف بالتمحيص . والمقصد الآخر لابتلاء الأمة بالشدة : الأوبة إلى الله والضراعة له ، يقول الله تعالى : { ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } ، وهل غاية إيجاد الخلق إلا ذلك ؟ فالابتلاء باللأواء تذكير بغاية الوجود وحثٌّ على الفرار إلى الخالق سبحانه ،{ ففروا إلى الله إني لكم نذير مبين } ؛ ضراعةٌ واستكانةٌ وانكسارٌ تحمل الأمة على التعلق بربها والليّاذ به والانتصار والتبرئ من كل شيء سواه ، عندها لا يكلها الله إلا لنفسه ، { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ؛ فيكون الله مولاها ؛ ولنعم المولى ولنعم النصير .

معشر الإخوة !
إن من ألزم ما يجب العلم به والأطرُ عليه وقت الأزمات تبصرَ منهج الأنبياء –عليهم صلوات الله وسلامه-في التعامل مع هذه الشدة وسبل الخروج منها ؛ إذ هو الطريق المعصوم الأقوم والأسلم والأرحم . ومن أبرز معالم هذا المنهج : حسن الظن بالله والتفاؤل بفرجه ، فما كان قول إبراهيم – عليه السلام –حين قذف في النار ومحمدٍ – صلى الله عليه وسلم – حين تآلب الأحزاب عليه إلا :{ حسبنا الله ونعم الوكيل } ، ولما حُصر موسى – عليه السلام – وقومه بين بحر متلاطم وعدو غاشم قال : { إن معي ربي سيهدين } وقال : { عسى ربكم أن يهلك عدوكم } ، ومن معالم هذا المنهج – يا عباد الله – الصبرُ وعدمُ الاستكانةِ والخنوعِ ومحاسبةُ النفس والاستغفارُ ، يقول الله تعالى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين } ، ومن أقوى الوسائل المعينة على ذلك إقامة الصلاة ؛ فقد أمر الله سبحانه بني إسرائيل بها حين أمضّهم طغيان فرعون وجبروته ، يقول الله تعالى : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }، ومن معالم منهج الأنبياء في الخروج من أزمة تسلط الكافرين الإلحاح على الله بدعاء إنزال النصر ، فقد كان دعاء موسى وهارون – عليهما السلام –الذي أجابه الله سبحانه : { رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } ، ودعا نوح –عليه السلام-:{ إني مغلوب فانتصر } . والتوكل على الله وتفويض الأمر له مما يجب الاستمساك به للخروج من أزمة تسلط الكفرة ، فذلك ما أرشد إليه موسى –عليه السلام – قومَه : { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) } ، ولا عذر لأمة مستضعفة في ترك إعداد القوة ؛ إذ الله لم يكلفها في ذلك الإعداد إلا بمستطاعها ، { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُم }، إعدادٌ في كافة صور القوة : الإيمانية ، والعلمية ، والتربوية ، والتقنية ، والعسكرية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية . فالقليل مع إعانة الله يُبَارك ويَغلب ، { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } .
أيها المسلمون !
إن الأخذ بذلك المنهج النبوي للانعتاق من ربق سيطرة الكفرة كفيل بالنتائج المضمونة ؛ إذ هو شرع من خلق الكون ودبّره . والسرُّ في تغيير كفة الإدالة عند الأخذ بهذا المنهج تغير نفوس المؤمنين والتزامها بمنهج الله ، ألم يقل الله تعالى : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } ؟ وهذه العاقبة المحمودة نرى تباشيرها قد تبدّت في أرض الرسالات والملاحم الشامية حين تخلى العالم عن نصرة المظلوم ، وأسلمه لظالمه الباطني الذي لا يرحم ، وبات ذلك الشعب الأعزل يواجه حرباً طائفية طاحنة يذكي أوارها خمس دول وسط خذلان القريب وتجهم البعيد ؛ مما جعل رغباءَ إخواننا في سوريا إلى المولى وفألهم الكبير فيه حين انقطع رجاؤهم إلا منه وخاب أملهم إلا فيه وضعف اعتمادهم إلا عليه ولا حول لهم ولا قوة إلا به ؛ فبحت أصواتهم دون انقطاع : " ما لنا غيرك يالله " ؛ فكأن الله اصطفى نصرهم ؛ فلم يجعل لعدو فيه يداً ، وهاهي أيام الشدة التي استحكم بلاؤها و بان فيها التمحيص والأوبة قد حملت إخواننا - بحكمة الله ورحمته - لاقتفاء منهج الأنبياء في الخروج من الأزمة ، والتطهر من رجس النصيرية شر الطوائف على أهل الإسلام ، وسيتحقق النصر بإذن الله ؛ وتتأهل الأمة وتسمو في تغذية السير لفتوح أعظم . ذلك ظننا في ربنا ، والله عند ظن عبده . فسبحان من جعل رحمته في بلائه ! ومنحه في محنه وفرجه في شدته ! وتلك البشائر –لعمر الله-فرح يضاف لفرح العيد وبهجته .
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ،الله أكبر الله أكبر ولله الحمد .
الخطبة الثانية

الحمد لله ولي المتقين ، وماحق الكافرين ، والصلاة والسلام على النبي الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين .
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ،الله أكبر الله أكبر ولله الحمد .
أيها المؤمنون !
الله الله بمحكمات الدين وثوابته ؛ وخاصة ما رُتِّب التمكين بإقامته ، وذلك بتوحيد الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإياكم وما يجلب الشحناء بين المؤمنين ، وابنوا صرح مجتمعكم بلبنات الصلاح والإصلاح وصيانته عن من يروم تقويضه ؛ بحسن تربية من ولاكم الله أمره ، والقيام بشأن الضعيف ، وأداء الأمانة ، ونصرة المظلوم ، والأخذ على يد السفيه والظالم ، والتثبت في الأمور ، والصدور عن العلماء الراسخين ، واستشارة المؤهلين ،والحرص على اجتماع كلمة الحق ، والتعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان . وأكملوا مسيرة الخير التي اختطموها في رمضان ؛ فإن رب الشهور واحد ، وأمد العمل الصالح للمؤمن لا ينقضي إلا بالموت .
أيتها المؤمنات !
وراء كل أمة عظيمة تربية عظيمة ؛ وإنكن أعظم محضن للتربية ؛ تعاهدن أولادكن ومن ولاكن الله مسؤليته بحسن الرعاية ، وأدركن حجم المكر الكبار الذي يرام به إفسادُ المجتمع من خلال إفساد نسائه بنزع جلباب الحياء والحشمة وإبداء المفاتن وتهوين مخالطتهن بالرجال الأجانب بذرائع تنطف خبثاً وشراً . يقول أحد المفكرين : " أدركتْ أمريكا بأن تفكيك التدين في الجزيرة العربية يأتي من خلال ملف المرأة ". وذلك ما حذر منه النبي –صلى الله عليه وسلم بقوله : " «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» رواه البخاري ومسلم . وذلك يقتضي الحذر من كل ما يمس الحشمة والحياء والعفة والتحذير ممن يعبث بها ، كما أنه يوجب السعي الجاد في بناء محاضن التوعية والإرشاد للمرأة المسلمة ، وإعدادها لتكون حصناً واقياً لبنات جنسها وغصةً في حلوق دعاة الفساد ورموزه .
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ،الله أكبر الله أكبر ولله الحمد .



خدمات المحتوى


الشيخ الدكتور / محمد بن عبدالله السحيم
الشيخ الدكتور / محمد بن عبدالله السحيم

تقييم
1.00/10 (1 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.